الوعي النسوي في مواجهة التغير المناخي
من تفاصيل الحياة اليومية إلى التغيير المجتمعي
إلهام ناصر الزبيدي
رئيس رابطة لوتس الثقافيه النسويه
لم يعد التغير المناخي في العراق عموما وفي البصره خصوصا قضية بيئية بعيدة عن حياتنا اليومية، بل أصبح واقعًا نلمسه في ارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه، (وامتداد السان الملحي في شط العرب بالنسبه لمحافظة البصرة )وتراجع بعض الموارد، وتغير أنماط الزراعة والغذاء، وازدياد موجات الحر والظواهر الجوية القاسية. وفي خضم هذه التغيرات، تبرز أهمية الوعي النسوي باعتباره أحد المداخل المهمة لفهم العلاقة بين المناخ والعدالة الاجتماعية والمساواة بين النساء والرجال.
فالنساء لسن مجرد متلقّيات لآثار التغير المناخي، بل هنّ أيضًا قادرات على صناعة حلول تبدأ من المنزل وتمتد إلى مكان العمل والمجتمع. والوعي النسوي هنا لا يعني تحميل النساء مسؤولية إنقاذ البيئة، وإنما يعني إدراك أن النساء يمتلكن معرفة وخبرات يومية وطاقات يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من الحل، مع ضرورة أن تتحمل المؤسسات والحكومات والشركات مسؤولياتها أيضًا.
البيت مساحة للتغيير
في الحياة اليومية، تقوم النساء في كثير من المجتمعات بدور أساسي في إدارة المنزل واستهلاك الماء والطاقة والغذاء. وهذه المسؤوليات اليومية، رغم أنها قد تبدو بسيطة، يمكن أن تتحول إلى ممارسات أكثر استدامة عندما ترتبط بالوعي البيئي.
يمكن للمرأة، مثلًا، المساهمة في تقليل استهلاك الطاقة من خلال ترشيد استخدام أجهزة التبريد والتدفئة، وإطفاء الأجهزة غير المستخدمة، واختيار الأجهزة الأكثر كفاءة في استهلاك الكهرباء. كما يمكن تقليل هدر المياه من خلال إصلاح التسربات، واستخدام المياه بطريقة أكثر كفاءة، وإعادة استخدام بعض المياه عندما يكون ذلك آمنًا ومناسبًا.
أما في مجال الغذاء، فإن التخطيط للشراء، وتقليل هدر الطعام، والاستفادة من بقايا الطعام، والاعتماد على المنتجات المحلية والموسمية متى كانت متاحة، كلها ممارسات تقلل من الهدر وتساهم في نمط حياة أكثر استدامة. خصوصا لو وضعنا بالاعتبار بان وحسب دراسات عالميه ان نفايات الطعام وهدره تساهم بنسبة تتراوح بين 8% إلى 10% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية. اي ما يعادل نحو خمسة أضعاف الانبعاثات الناتجة عن قطاع الطيران العالمي بأكمله.*
وتستطيع المرأة كذلك تعليم الأطفال داخل الأسرة أن حماية البيئة ليست مهمة مدرسية أو شعارًا مؤقتًا، بل سلوك يومي يبدأ من طريقة استخدام الماء والكهرباء والتعامل مع النفايات واحترام الطبيعة.
المرأة في مكان العمل
لا يتوقف الدور المناخي للمرأة عند باب المنزل. ففي مكان العمل تستطيع النساء أن يساهمن في بناء ثقافة بيئية جديدة.
يمكن للموظفات والعاملات المبادرة إلى تقليل استخدام الورق، وإعادة استخدام المواد المكتبية، وفرز النفايات، وترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، وتشجيع استخدام الوسائل الرقمية بدل الطباعة عندما يكون ذلك ممكنًا.
والأهم من ذلك هو الانتقال من السلوك الفردي إلى العمل الجماعي. فالمرأة تستطيع أن تقترح مبادرات بيئية داخل المؤسسة، مثل حملات التشجير، أو تقليل استخدام البلاستيك، أو إنشاء أيام للتوعية المناخية، أو تشجيع وسائل النقل المشتركة، أو وضع سياسات أكثر كفاءة لاستهلاك الطاقة.
وهنا يصبح الوعي النسوي وسيلة لطرح سؤال أوسع: من يشارك في صناعة القرارات البيئية داخل المؤسسات؟ ومن يملك القدرة على تحديد الأولويات؟
من المستهلكة إلى صانعة القرار
أحد أهم جوانب الوعي النسوي هو عدم اختزال دور المرأة في كونها "مستهلكة مسؤولة". فالنساء يجب أن يكنّ أيضًا صانعات للقرار والسياسات المناخية.
فالمرأة المهندسة، والطبيبة، والمدرّسة، والموظفة، والمزارعة، والناشطة، والباحثة، وربّة المنزل، والاعلاميه والفنانه جميعهن يمتلكن تجارب مختلفة يمكن أن تضيف إلى النقاش حول المناخ.
وفي المجتمعات التي تعاني من آثار التغير المناخي بصورة واضحة، يمكن للنساء نقل المعرفة الموجودة في حياتهن اليومية إلى المؤسسات المحلية، والمنظمات المدنية، والجامعات، والبلديات، وصناع القرار.
إن إشراك النساء في وضع الخطط المتعلقة بالمياه والطاقة والزراعة والصحة والبيئة يجعل السياسات أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع الفعلية.
التغير المناخي قضية عدالة أيضًا
الوعي النسوي يجعلنا ننظر إلى التغير المناخي من زاوية تتجاوز ارتفاع درجات الحرارة أو انبعاثات الكربون. فآثار المناخ لا تقع بالضرورة على الجميع بالطريقة نفسها.
عندما تشح المياه، أو ترتفع درجات الحرارة، أو ترتفع أسعار الغذاء، قد تزداد أعباء الرعاية والعمل المنزلي، وهي أعمال تتحمل النساء جزءًا كبيرًا منها في كثير من المجتمعات. لذلك فإن مواجهة التغير المناخي يجب ألا تعني فقط حماية البيئة، بل أيضًا حماية الكرامة والحقوق والفرص المتساوية.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم العدالة المناخية؛ أي أن تكون الحلول المناخية عادلة، وأن تشارك النساء في صياغتها، وألا تتحول الأعباء البيئية الجديدة إلى أعباء إضافية على النساء.
في العراق: الوعي يبدأ من الواقع المحلي
في العراق، حيث أصبحت الحرارة الشديدة وشح المياه والتصحر وتدهور البيئة تحديات ملموسة، يمكن للوعي المناخي أن يتحول إلى مبادرات محلية صغيرة لكنها مؤثرة.
يمكن للنساء في الأحياء والمجتمعات المحلية تشكيل مجموعات للتوعية بترشيد المياه والطاقة، وتشجيع زراعة الأشجار والنباتات الملائمة للبيئة المحلية، والحد من حرق النفايات، ونشر المعرفة حول مخاطر الحرارة الشديدة، والعمل مع المدارس والجامعات والمنظمات المدنية والمؤسسات المحلية.
كما تستطيع منظمات المجتمع المدني النسوية أن تجعل التغير المناخي جزءًا من برامجها المتعلقة بحقوق النساء، وأن تربط بين البيئة والعنف والفقر والصحة والعمل والمياه والأمن الغذائي.
التغيير يبدأ من التفاصيل، لكنه لا ينتهي عندها
قد تبدو بعض الأفعال اليومية صغيرة: إطفاء مصباح، تقليل استهلاك الماء، عدم هدر الطعام، استخدام كيس قابل لإعادة الاستخدام، زراعة شجرة، أو توعية طفل.
لكن أهمية هذه الأفعال لا تكمن في تأثير كل فعل منفرد فقط، وإنما في قدرتها على تغيير الثقافة والسلوك العام عندما تتحول إلى ممارسة جماعية.
ومع ذلك، من المهم ألا نضع العبء كله على النساء. فلا يمكن أن نطلب من المرأة أن ترشد استهلاك الكهرباء بينما تعاني من انقطاعها، أو أن تتحمل وحدها مسؤولية المياه والنفايات، بينما تظل البنية التحتية والسياسات العامة دون حلول. المسؤولية المناخية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع والأفراد، والنساء شريكات في الحل ولسن وحدهن المسؤولات عنه.
في النهاية، الوعي النسوي في مواجهة التغير المناخي هو دعوة إلى رؤية جديدة لدور المرأة: ليست فقط امرأة تتكيف مع أزمة المناخ داخل منزلها، وإنما امرأة تعرف حقوقها، وتفهم التغيرات التي تحدث حولها، وتشارك في اتخاذ القرار، وتقود المبادرات، وتطالب بسياسات بيئية عادلة ومستدامة.
فمن المطبخ إلى المكتب، ومن المدرسة إلى الجامعة، ومن الحي إلى مؤسسات صنع القرار، تستطيع النساء أن يكنّ جزءًا من التحول نحو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة التغير المناخي. لكن الخطوة الأهم هي أن يتحول هذا الوعي من مسؤولية فردية إلى قوة جماعية وسياسات عامة عادلة.
((ضمن خطوات استكمال الحملة الطوعية (كوني واعية) لرابطة لوتس الثقافيه النسويه ))



تعليقات